فصل: قال الألوسي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الخازن:

قوله سبحانه وتعالى: {إلا الذين عاهدتم من المشركين} هذا الاستثناء راجع إلى قوله تعالى: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} يعني إلا من عهد الذين عاهدتم من المشركين وهم بنو ضمرة حي من كنانة أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بإتمام عهدهم إلى مدتهم وكان قد بقي من مدتهم تسعة أشهر وكان السبب فيه أنهم لم ينقضوا العهد وهو قوله تعالى: {ثم لم ينقصوكم شيئًا} يعني من عهودهم التي عاهدتموهم عليها {ولم يظاهروا} يعني ولم يعاونوا {عليكم أحدًا} يعني من عدوكم وقال صاحب الكشاف: وجهه أن يكون مستنثى قوله تعالى: {فسيحوا في الأرض} لأن الكلام خطاب للمسلمين ومعناه براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فقولوا لهم: سيحوا في الأرض إلا الذين عاهدتم منهم ثم لم ينقصوكم {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم} والاستثناء بمعنى الاستدراك كأنه قيل لهم بعد أن أمروا في الناكثين لكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم ولا تجروهم مجراهم ولا تجعلوا الوفي كالغادر {إن الله يحب المقتين} يعني أن قضية التقوى تقتضي أن لا يسوى بين القبيلتين يعني الوافي بالعهد والناكث له والغادر فيه. اهـ.

.قال أبو حيان:

{إلا الذين عاهدتم من المشركين}
قال قوم: هذا استثناء منقطع، التقدير: لكن الذين عاهدتم فثبتوا على العهد أتموا إليهم عهدهم.
وقال قوم منهم الزجاج: هو استثناء متصل من قوله: {إلى الذين عاهدتم من المشركين}.
وقال الزمخشري: وجهه أنْ يكون مستثنى من قوله: {فسيحوا في الأرض} لأنّ الكلام خطاب للمسلمين ومعناه: براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين، فقولوا لهم: سيحوا، إلا الذين عاهدتم منهم، ثم لم ينقضوا فأتموا إليهم عهدهم.
والاستثناء بمعنى الاستدراك، كأنه قيل بعد أنْ أمروا في الناكثين: ولكنّ الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم ولا تجروهم مجراهم، ولا تجعلوا الوفيّ كالغادر.
وقيل: هو استثناء متصل، وقبله جملة محذوفة تقديرها: اقتلوا المشركين المعاهدين إلا الذين عاهدتم، وهذا قول ضعيف جدًا، والأظهر أنْ يكون منقطعًا لطول الفصل بجمل كثيرة بين ما يمكن أن يكون مستثنى منه وبينه.
قال مجاهد وغيره: هم قوم كان بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم عهد لمدة، فأمر أنْ يفي لهم.
وعن ابن عباس لما قرأ عليَّ براءة قال لبني ضمرة وحي من كنانة وحي من سليم: إنّ الله قد استثناكم ثم قرأ هذه الآية.
والظاهر أنّ قوله: {إلى مدتهم}، يكون في المدة التي كانت بينهم وبين الرسول أمروا بإتمام العهد إلى تمام المدة.
وعن ابن عباس: كان بقي لحي من كنانة تسعة أشهر، فأتم إليهم عهدهم.
وعنه أيضًا: إلى مدتهم، إلى الأربعة الأشهر التي في الآية.
وهذا بعيد، لأنه يكون الاستثناء لا يفيد تجديد حكم، إذ يكون حكم هؤلاء المستثنين حكم باقي المعاهدين الذين لم يتصفوا بما اتصف به هؤلاء من عدم النقص وعدم المظاهرة.
وقرأ عطاء بن السائب الكوفي وعكرمة وأبو زيد وابن السميفع: ينقضوكم بالضاد معجمة وتناسب العهد، وهي بمعنى قراءة الجمهور، لأن من نقص من العهد فقد نقص من الأجل المضروب.
وهو على حذف مضاف، أي ولم ينقضوا عهدكم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه لدلالة الكلام عليه.
وقال الكرماني: هي بالضاد أقرب إلى معنى العهد، إلا أنّ القراءة بالصاد أحسن ليقع في مقابلته التمام في قوله: {فأتموا إليهم}.
والتمام ضد النقص.
وانتصب {شيئًا} على المصدر، أي: لا قليلًا من النقص ولا كثيرًا، ولم يظاهروا عليكم أحدًا كما فعلت قريش ببني بكر حين أعانوهم بالسلاح على خزاعة.
وتعدى أتوا بإلى لتضمنه معنى فأدوا، أيْ: فأدوه تامًا كاملًا.
وقول قتادة: إنّ المستثنين هم قريش عوهدوا زمن الحديبية مردود بإسلام قريش في الفتح قبل الإذن بهذا كله.
وقوله: {يحب المتقين}، تنبيه على أنّ الوفاء العهد من التقوى، وأنّ من التقوى أن لا يسوي بين القبيلتين. اهـ.

.قال أبو السعود:

{إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}
استدراكٌ من النبذ السابقِ الذي أُخّر فيه القتالُ أربعةَ أشهرٍ كأنه قيل: لا تُمهلوا الناكثين فوق أربعةِ أشهرٍ لكن الذين عاهدتموهم ثم لم ينكُثوا عهدَهم فلا تُجْروهم مُجرى الناكثين في المسارعة إلى قتالهم بل أتِمّوا إليه عهدَهم، ولا يضُرّ في ذلك تخللُ الفاصلِ بقوله تعالى: {وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ} إلخ لأنه ليس بأجنبي بالكلية بل هو أمر بإعلام تلك البراءةِ كأنه قيل: وأَعلِموها، وقيل: هو استثناءٌ متصلٌ من المشركين الأوّل، ويرده بقاءُ الثاني على العموم مع كونهما عبارةً عن فريق واحد وجعلُه استثناءً من الثاني يأباه بقاء الأولُ كذلك وقيل: هو استداركٌ من المقدر في {فسيحوا} أي قولوا لهم: سيحوا أربعةَ أشهر لكن الذين عاهدتم منهم {ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا} من شروط الميثاقِ ولم يقتُلوا منكم أحدًا ولم يضروكم قط وقرئ بالمعجمة أي لم ينقضوا عهدَكم شيئًا من النقض، وكلمة ثم للدِلالة على ثباتهم على عهدهم مع تمادي المدة {وَلَمْ يظاهروا} أي لم يعاونوا {عَلَيْكُمْ أَحَدًا} من أعدائكم كما عدَتْ بنو بكر على خُزاعةَ في غَيْبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فظاهَرَتْهم قريشٌ بالسلاح {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ} أي أدوه إليهم كاملًا {إلى مُدَّتِهِمْ} ولا تفاجئوهم بالقتال عند مضيِّ الأجل المضروبِ للناكثين ولا تعاملوهم معاملتهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: بقي لِحيَ من بني كنانةَ من عهدهم تسعةُ أشهر فأتم إليهم عهدَهم {إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين} تعليلٌ لوجوب الامتثال وتنبيهٌ على أن مراعاةَ حقوقِ العهدِ من باب التقوى وأن التسويةَ بين الوفيِّ والغادر منافيةٌ لذلك وإن كان المعاهَدُ مشركًا. اهـ.

.قال الألوسي:

{إِلاَّ الذين عاهدتم مّنَ المشركين}
استثناء على ما في الكشاف من المقدر في قوله: {فَسِيحُواْ في الأرض} [التوبة: 2] إلخ لأن الكلام خطاب مع المسلمين على أن المعنى براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فقولوا لهم سيحوا إلا الذين عاهدتم منهم ثم لم ينقصوكم فأتموا إليهم عهدهم، وهو بمعنى الاستدراك كأنه قيل: فلا تمهلوا الناكثين غير أربعة أشهر ولكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم ولا تجروهم مجرى الناكثين، واعترض بأنه كيف يصح الاستثناء وقد تخلل بين المستثنى والمستثنى منه جملة أجنبية أعني قوله سبحانه: {وَأَذَانٌ مّنَ الله} [التوبة: 3] فإنه كما قرر عطف على {براءة} [التوبة: 1]، وأجيب بأن تلك الجملة ليست أجنبية من كل وجه لأنها في معنى الأمر بالاعلام كأنه قيل: فقولوا لهم سيحوا واعلموا أن الله تعالى بريء منهم لكن الذين عاهدتم الخ، وجعله بعضهم استدراكًا من النبذ السابق الذي أخر فيه القتال أربعة أشهر والمآل واحد، وقيل: هو استثناء من المشركين الأول وإليه ذهب الفراء، ورد بأن بقاء التعميم في قوله تعالى: {أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين} [التوبة: 3] ينافيه، وقيل: هو استثناء من المشركين الثاني.
ورد بأن بقاء التعميم في الأول ينافيه، والقول بالرجوع إليهما والمستثنى منهما في الجملتين ليستا على نسق واحد لا يحسن، وجعل الثاني معهودًا وهم المشركون المستثنى منهم هؤلاء فقيل مجيء الاستثناء يبعد ارتكابه في النظم المعجز، وقوله سبحانه: {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ} حينئد لابد من أن يجعل جزاء شرط محذوف وهو أيضًا خلاف الظاهر والظاهر الخبرية، والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وكون المراد به أناسًا بأعيانهم فلا يكون علما فيشبه الشرط فتدخل الفاء في خبره على تقدير تسليمه غير مضر فقد ذهب الاخفش إلى زيادة الفاء في خبر الموصول من غير اشتراذ العموم، واستدل القطب لما في الكشاف بأن هاهنا جملتين يمكن أن يعلق بهما الاستثناء جملة البراءة وجملة الامهال، لكن تعليق الاستثناء بجملة البراءة يستلزم أن لا براءة عن بعض المشركين فتعين تعلقه بجملة الامهال أربعة أشهر، وفيه غفلة عن أن المراد البراءة عن عهود المشركين لا عن أنفسهم، ولا كلام في أن المعاهدين الغير الناكثين ليس الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بريئين من عهودهم وإن برئا عن أنفسهم بضرب من التأويل فافهم، وقال ابن المنير: يجوز أن يكون قوله سبحانه: {فَسِيحُواْ} [التوبة: 2] خطابًا للمشركين غير مضمر قبله القول ويكون الاستثناء على هذا من قوله تعالى: {إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ} [التوبة: 1] كأنه قيل: براءة من الله تعالى ورسوله إلى المعاهدين إلا الباقين على العهد فأتموا إليهم أيها المسلمون عهدهم، ويكون فيه خروج من خطاب المسلمين في {إِلاَّ الذين عاهدتم} إلى خطاب المشركين في {فَسِيحُواْ} ثم التفات من التكلم إلى الغيبة في {واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله وَأَنَّ الله} [التوبة: 2] والأصل غير معجزي واني، وفي هذا الالتفات بعد الالتفات الأول افتنان في أساليب البلاغة وتفخيم للشأن وتعظيم للأمر، ثم يتلو هذا الالتفات العود إلى الخطاب في قوله سبحانه: {إِلاَّ الذين عاهدتم} إلخ وكل هذا من حسنات الفصاحة انتهى، ولا يخفى ما فيه من كثرة التعسف و{مِنْ} قيل بيانية، وقيل: تبعيضية، وثم في قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا} للدلالة على ثباتهم على عهدهم مع تمادي المدة وينقصوا بالصاد المهملة كما قرأ الجمهور يجوز أن يتعدى إلى واحد فيكون شيئًا منصوبًا على المصدرية أي لم ينقصوكم شيئًا من النقصان لا قليلًا ولا كبيرًا، ويجوز أن يتعدى إلى اثنين فيكون {شَيْئًا} مفعوله الثاني أي لم ينقصوكم شيئًا من النقصان لا قليلًا ولا كثيرًا، ويجوز أن يتعدى إلى اثنين فيكون {شَيْئًا} مفعوله الثاني أي لم ينقصوكم شيئًا من شروط العهد وأدوها لكم بتمامها، وقرأ عكرمة.
وعطاء {ينقضوكم} بالضاد المعجمة، والكلام حينئذ على حذف مضاف أي لم ينقضوا عهودكم شيئًا من النقض وهي قراءة مناسبة للعهد إلا أن قراءة الجمهور أوقع لمقابلة التمام مع استغنائها عن ارتكاب الحدف {شَيْئًا وَلَمْ يظاهروا} أي لميعاونوا {عَلَيْكُمْ أَحَدًا} من أعدائكم كما عدت بنو بكر على خزاعة فظاهرتهم قريش بالسلاح كما تقدم {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ} أي أدوه إليهم كملا {إلى مُدَّتِهِمْ} أي إلى انقضائها ولا تجروهم مجرى الناكثين قيل: بقي لبني ضمرة.
وبني مدلج حيين من كنانة من عهدهم تسعة اشهر فأتم إليهم عهدهم، وأخرج ابن أبي حاتم أنه قال: هؤلاء قريش عاهدوا نبي الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر فأمر الله تعالى شأنه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يوفى لهم بعهدهم ذلك إلى مدتهم وهو خلاف ما تظافرت به الروايات من أن قريشًا نقضوا العهد على ما علمت والمعتمد هو الأول {إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين} تعليل لوجوب الامتثال وتنبيه على أن مراعاة العهد من باب التقوى وأن التسوية بين الغادر والوفي منافية لذلك وإن كان المعاهد مشركًا. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}
استثناء من المشركين في قوله: {أن الله بريء من المشركين} [التوبة: 3]، ومن {الذين كفروا} في قوله: {وبشر الذين كفروا بعذاب أليم} [التوبة: 3] لأنّ شأن الاستثناء إذا ورد عقب جمل أن يرجع إلى ما تحتويه جميعُها ممّا يصلح لِذلك الاستثناء، فهو استثناء لهؤلاء: من حكم نقض العهد، ومن حُكم الإنذار بالقتال، المترتّببِ على النقض، فهذا الفريق من المشركين باقون على حرمة عهدهم وعلى السلم معهم.
والموصول هنا يعمّ كلّ من تحقّقت فيه الصلة، وقد بين مدلول الاستثناء قوله: {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم}.
وحرف (ثم) في قوله: {ثم لم ينقصوكم شيئًا} للتراخي الرتبي، لأنّ عدم الإخلال بأقلّ شيء ممّا عاهدوا عليه أهمّ من الوفاء بالأمور العظيمة ممّا عاهدوا عليه، لأنّ عدم الإخلال بأقلّ شيء نادر الحصول.
والنقصُ لِشيء إزالة بعضه، والمراد: أنّهم لم يفرّطوا في شيء ممّا عاهدوا عليه.
وفي هذا العطف إيذان بالتنويه بهذا الانتفاء لأنّ (ثُمَّ) إذا عطفت الجمل أفادت معنى التراخي في الرتبة، أي بُعد مرتبة المعطوف من مرتبة المعطوف عليه، بُعد كمال وارتفاع شأن.
فإنّ من كمال العهد الحفاظ على الوفاء به.
وهؤلاء هم الذين احتفظوا بعهدهم مع المسلمين، ووفّوا به على أتمّ وجه، فلم يكيدوا المسلمين بكيد، ولا ظاهروا عليهم عدّوًا سِرًّا، فهؤلاء أمِر المسلمون أن لا ينقضوا عهدهم إلى المدّة التي عوهدوا عليها.
ومن هؤلاء: بنو ضَمره، وحَيَّان من بني كنانة: هم بنو جذيمة، وبنو الدِّيل.
ولا شكّ أنّهم ممّن دخلوا في عهد الحديبية.
وقد علم من هذا: أنّ الذين أمَر الله بالبراءة من عهدهم هم ضدّ أولئك، وهم قوم نقصُوا ممّا عاهدوا عليه، أي كَادوا، وغدروا سرًّا، أو ظاهروا العدوّ بالمدد والجوسسة.
ومن هؤلاء: قريظة أمَدُّوا المشركين غير مرّة، وبنو بَكر، عَدَوْا على خزاعة أحلاف المسلمين كما تقدّم فعُبِّر عن فعلهم ذلك بالنقصصِ لأنّهم لم ينقضوا العهد علنًا، ولاَ أبطلوه، ولكنهم أخلُّوا به، ممّا استطاعوا أن يَكيدوا ويمكروا، ولأنهم نقضوا بعض ما عاهدوا عليه.
وذكر كلمة {شيئًا} للمبالغة في نفي الانتقاص، لأنّ كلمة شيء نكرة عامّة، فإذا وقعت في سياق النفي أفادت انتفاء كلّ ما يصدق عليه أنّه موجود، كما تقدّم في قوله تعالى: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء} في سورة البقرة [113].
والمظاهرة: المعاونة، يجوز أن يكون فعلها مشتقًّا من الاسم الجامد وهو الظهر، أي صُلب الإنسان أو البعيرِ، لأنّ الظهر به قوة الإنسان في المشي والتغلّب، وبه قوة البعير في الرحلة والحمل، يقال: بعير ظهير، أي قوي على الرحلة، مُثِّلَ المُعِين لأحدٍ على عمل بحال من يُعطيه ظهره يحمل عليه، فكأنّه يعيره ظهره ويعيره الآخر ظهره، فمن ثَمّ جاءت صيغة المفاعلة، ومثله المعاضدة مشتقّة من العَضد، والمساعدة من الساعد، والتأييد من اليد، والمكاتفة مشتقّة من الكتف، وكلّها أعضاء العمل.
ويجوز أن يكون فعله مشتقًّا من الظهور، وهو مصدر ضدّ الخفاء، لأنّ المرء إذا انتصر على غيره ظهر حاله للناس، فمُثِّل بالشيء الذي ظهر بعد خفاء، ولذلك يعدى بحرف (على) للاستعلاء المجازي، قال تعالى: {وإن تظاهرا عليه} [التحريم: 4] وقال: {كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلًّا ولا ذمة} [التوبة: 8] وقال: {ليظهره على الدين كله} [الفتح: 28] وقال: {والملائكة بعد ذلك ظهير} [التحريم: 4] أي معين.
والفاء في قوله: {فأتموا} تفريع على ما أفاده استثناء قوله: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئًا} إلخ، وهو أنّهم لا تشملهم البراءة من العهد.
والمدّة: الأجل، مشتقّة من المَدّ لأنّ الأجل مَدّ في زمن العمل، أي تطويل، ولذلك يقولون: مَاد القُوم غيرَهم، إذا أجَّلوا الحربَ إلى أمد، وإضافة المدّة إلى ضمير المعاهَدين لأنّها منعقدة معهم، فإضافتها إليهم كإضافتها إلى المسلمين، ولكن رجّح هنا جانبهم، لأنّ انتفاعهم بالأجل أصبح أكثر من انتفاع المسلمين به، إذ صار المسلمون أقوى منهم، وأقدر على حربهم.
وجملة: {إن الله يحب المتقين} تذييل في معنى التعليل للأمر بإتمام العهد إلى الأجل بأنّ ذلك من التقوَى، أي من امتثال الشرع الذي أمر الله به، لأنّ الإخبار بمحبة الله المتّقين عقب الأمر كناية عن كون المأمور به من التقوى.
ثم إنّ قبائل العرب كلّها رغبت في الإسلام فأسلموا في تلك المدّة فانتهت حُرمة الأشهر الحرم في حكم الإسلام. اهـ.